عزمي بشارة
من أغرب ما سمع من كلام السياسة حتى في أيام غرائبية كالتي نعيش ولا يُستغرَبُ فيها أمرٌ بسهولة، ما كرره المسؤولون الإسرائيليون كما تُنشَد لازمة في نشيد الموت.. هكذا تكلم أولمرت، ومن بعده ليفني حتى آخر القوم:
أ- “لسنا ضد الشعب الفلسطيني، نحن ضد حماس.. هذه ليست حربا ضد الفلسطينيين، بل حرب ضد حماس”.
ب- “نحن لسنا أعداء، بل لدينا نفس الأعداء: حماس وحزب الله وغيرهما”.
والحقيقة أن أهداف هذه الحرب العدوانية على قطاع غزة لا تختلف كثيرا عن سجالها العلني، فالقصف الجوي والقصف الإعلامي -صناعة الموت وصناعة الأجواء- ليسا مختلفين كثيرا كما يبدو.
تفضح اللازمة “ب” الحساب الإسرائيلي المعلن بوجود حلف موضوعي على الأقل، أو وجود محور إقليمي يضم دولا عربية وإسرائيل يشترك في نفس الأعداء، وهذا منطق المحاور على أية حال. ولكن ما يرشح قبل التصريحات العلنية وبعدها، أن المحور ليس موضوعيا فحسب، ولا لقاء مصالح فقط. بهذا ننتهي من هذه الفكرة التي سبق أن تطرقنا لها.
ولكن ماذا تعني مقولة إسرائيل: ليست (أو كما سُمِعَت: نحن لسنا) ضد الفلسطينيين؟ بحسب هذا المنطق لا يوجد استعمار ضد شعب من الشعوب، فهو فقط يريد بلد هذا الشعب، ويريد سلبه ثروته وإرادته، وإذا خضع لهذا المصير “المقدَّر” له، فلا أحد ضده.
تبرز “المشكلة” إذا قاوم الشعب هذا المصير الذي يراد له. ولكن حتى عندها يدعي المستعمِر أنه ضد المقاومة والمتطرفين الذين يحملون الفكرة ويمارسونها، وليس ضد الشعب نفسه. وعندما يقوم بمحاربة المقاومة ويقصف المدنيين والناس دون تمييز، فذلك ليس لأنه ضدهم بل لأن المقاومة تعيش وتسكن بينهم، وعلى الشعب أن يتحمل القصف صامتا، فهو ليس موجها ضده، ولا ضد أطفاله الذين سقطوا، بل ضد المقاومة التي أنجبها.
المقاومون هم من أبناء الشعب، وليسوا جيشا منفصلا عنه في معسكرات، وطبيعي أن يعيشوا بين صفوفه. وإذا كان هذا صحيحا في كل مكان فإنه في غزة أمر مسلمٌ به، لأن غزة عبارة عن معسكر اعتقال مكتظ ومزدحم ومغلق، يعيش فيه الناس دونما تمييز بين غني وفقير، ومقاوم وغير مقاوم، ومنتم لحماس وغير منتم لها. لا غابة ولا جبل ولا نهر، ولا مناطق محيَّدة يلجأ إليها الناس كما في لبنان. وحتى عندما يكون القصف غير عشوائي في غزة، فإنه يكون عشوائيا بالنتيجة.. لا يمكن للحرب على غزة إلا أن تكون جريمة حرب.
هذه حرب على معسكر اعتقال، تتواصل فيها غارات على “غيتو” ضخم، تستخدم فيها طائرات “أف15″ و”أف16″. كان هذا الفعل بحد ذاته غير ممكن التصور قبل عشر سنوات، كان بحد ذاته غير ممكن التنفيذ دوليا.. لقد صنع باراك هذه السابقة في بداية الانتفاضة الثانية.
إنها أجبن حرب في التاريخ الإسرائيلي، وربما في التاريخ الحديث. لا توجد دولة استعمارية تستخدم هذا النوع من السلاح ضد هذا النوع من الأهداف. وعلى وقع الانفجارات تطلع علينا وزيرة خارجية إسرائيل الطموحة لتخاطب الفلسطينيين كمشاهدين وفي فمها كلام من نوع “لسنا ضدكم”.. يا للهول!!
سلبت إسرائيل وطن الشعب الفلسطيني، وقد شردته في كافة أصقاع الأرض ليس لأنها ضده، بل فقط لأنها تريد وطنه، وهو لا يريد أن يتنازل بطيبة خاطر.. هذا كل شيء، ولكنها ليست ضده. ولو خضع وقبل بأن يمنح وطنه عن طيبة خاطر، فلن يصيبه منها حربٌ ولا قتال.
ولو قبلت المقاومة بمضاعفة الاستيطان بعد أوسلو، وباستمرار تهويد القدس، وبالانسحاب من طرف واحد من غزة مع بقائها مطوقة كالسجن، لما كانت هناك مشكلة إسرائيلية مع غزة. ولو انتخب الشعب الفلسطيني من أرادته إسرائيل أن يُنتخب عام 2006 لما نشأت مشكلة.
ثم.. وبعد هذه الانتخابات، لو قبل الشعب الفلسطيني بالحصار التجويعي راضيًا باعتباره نتيجة منطقية للانتخابات، ولو استنتج من هذا الحصار النتائج المرجوة منها وأطاح بمن انتخب، ولو اعتبر حماس هي سبب الحصار وليس من يفرض الحصار.. لما كانت هناك مشكلة بين إسرائيل والقطاع.. هذا هو منطق القصف الإعلامي الإسرائيلي الذي يرافق القصف الوحشي على قطاع غزة، (وربما اجتياحها مع نشر هذه السطور).
وهو -على فظاعته- يحظى أن يكرره البعض بالعربية بين السطور، وهو منطق يتضمن هدف العدوان. والهدف هو قبول الشعب الفلسطيني بالشروط الإسرائيلية في حال التوصل إلى تسوية، وبالاستكانة والهدوء في حال عدم وجود تسوية.
لا مشكلة مع “شريك عربي” في تسوية يقبل فيها بشروط إسرائيل التاريخية، ولا مع خصم هادئ يرضى على الأقل بموازين القوى، فيعيش ويترك الناس تعيش في ظل الاحتلال والظلم، ويرفض التسوية نظريا فقط، أما عمليا فينشغل عن الصراع مع إسرائيل بقضايا “أكثر أهمية” مثل الحفاظ على سلطته.
وإسرائيل لم تمنح حماس حتى مثل هذه الفرصة الأخيرة.. لقد حاصرتها منذ اليوم الأول على انتخابها، وانضم “العالم” إلى الحصار، ولم تحظ حماس حتى بفرصة للانشغال عن الصراع مع الاحتلال بسلطتها.
لا يهم إسرائيل كثيرا من يحكم القطاع داخليا بعدما انسحبت منه، ما دام يقبل بالشروط الإسرائيلية في حالة تسوية، أو بالهدوء في حالة عدم التوصل إلى التسوية.
لقد فُرِض الحصار التجويعي فعلا، وكان على حماس -من وجهة نظر المطالبين بعودة “التهدئة” حاليا- أن تقبل بالهدوء ليس فقط دون زوال الاحتلال، وليس فقط مع استمرار الاغتيالات في الضفة الغربية وقطاع غزة، بل حتى دون فك الحصار.
انتقلت إسرائيل إلى استخدام السلاح وهي تهدف من ذلك إلى تقويض قوة حماس أ













